السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

488

مفاتيح الأصول

ارتفاع الدّلالة يغلب على الظن انتفاء الحكم فينتفي ظن الضرر وفي شرح الوافية للسّيّد صدر الدين أقول الشارع نهانا عن العمل بالظن مطلقا واستثنى منه مواضع قولا وتقريرا وليس ما نحن فيه منها وليس العقاب لازما لترك الواجب وفعل الحرام من جهة ذاتيهما بل هو لازم لهما من حيث إنّ الشّارع أمرنا بفعل الأوّل وترك الثاني والمفروض أنه نهانا عن الإفتاء بوجوب شيء أو حرمته والعمل بمقتضاه من الطرق المفيدة للظَّن إلا ما استثنى فمن أين حصل لنا الظن بالعقاب الأخروي الدّائم على ترك الواجب وفعل الحرام المظنونين حتى يحكم العقل بوجوب إزالته بل العقل بعد ملاحظة النهي المطلق المذكور يحكم بلزوم العقاب على فعل مثل هذا الواجب وترك مثل هذا الحرام فتدبر وفي الإحكام بعد الإشارة إلى الحجّة المذكورة ولقائل أن يقول ما المانع من القول بأنه لا يجب العمل بقوله ولا يجب تركه بل هو جائز الترك والقول بأن مخالفة أمر الرّسول صلى الله عليه وآله موجبة لاستحقاق العقاب مسلم فيما علم فيه أمر الرّسول صلى الله عليه وآله وأما مع عدم العلم فهو محلّ النزاع انتهى وفيه نظر أما أولا فلأنه لو انحصر ترتب العقاب على ترك الواجب وفعل الحرام في صورة العلم بالوجوب والحرمة أو الظن الَّذي قام القاطع على حجيته بالخصوص لما اتجه للمعتزلة الاحتجاج على وجوب المعرفة بقاعدة لزوم دفع الضرر المظنون فتأمل وأمّا ثانيا فلأنه لو انحصر ترتب العقاب على الأمرين في الصورتين المذكورتين لما حسن الاحتياط في صورة احتمال الوجوب أو الحرمة والتالي باطل فالمقدم مثله أما الملازمة فظاهرة وأمّا بطلان التالي فلأن حسن الاحتياط معلوم عقلا بشهادة فعل العقلاء من العلماء وغيرهم فإنا نجدهم يرتكبون الاحتياط في مقام احتمال الأمرين ولو بعد ترجيح عدم الوجوب وعدم الحرمة بالأدلَّة الشرعيّة بعد الفحص والاجتهاد حتّى أنه يؤول أمرهم إلى الوسواس المنهي عنه ونراهم يستحسنون العامل بالاحتياط في نفس الأحكام الشرعية ويمدحونه مدحا بينا ونراهم كثيرا ما يذمّون تاركه لاعتقادهم وجوبه وما ذلك إلا لعدم توقف ترتب العقاب على صورة العلم بالوجوب أو الحرمة فتأمل وأما ثالثا فلأن معظم الأصوليّين فسّروا الواجب بما يستحق تاركه الذّم والعقاب والحرام بما يستحق فاعله الذّم والعقاب وأطلقوا ولم يقيدوا الاستحقاق بصورة العلم بالوجوب والحرمة نعم ينبغي تقييد هذا الإطلاق بإخراج بعض الصّور ولكن ليس فيه محل البحث فيبقى الباقي مندرجا تحت الإطلاق فتأمل وأمّا رابعا فلأنه لو توقف ترتب العقاب على الصّورتين المذكورتين لكان الجاهل بالوجوب والحرمة غير مستحق للعقاب إذا ترك الواجب أو فعل الحرام وكان مقصّرا وهو باطل قطعا ومخالف لاتفاق المحققين ظاهرا فتأمل وأما خامسا فلأنه لو يتوقف ترتب العقاب على الصّورتين المذكورتين لكان القول بأن المجتهد مصيب لا محتمل الخطاء حقا وهو باطل بالأدلة الدّالَّة على البطلان فتأمل وأمّا سادسا فلأن ضرر ترك الواجب وفعل الحرام ليس منحصرا في العقاب حتى يدعى دورانه مدار الصورتين المذكورتين بل يتحقق في ضمن فوات المصلحة المهمّة المترتبة على نفس الوجوب والحرمة وذلك ليس متوقفا على الصّورتين المذكورتين بوجه من الوجوه فتأمل الثالث ما ذكره في المعارج فقال في مقام الاعتراض على الحجّة المذكورة ثم إن الحجّة مقلوبة عليهم لأنه لو وجب العمل بخبر الواحد لجواز اشتماله على مصلحة لا يؤمن الضرر بفواتها فليجب اطراحه لجواز اشتماله على مفسدة لا يؤمن الضرر بفعلها انتهى وقد أشير إلى هذا في جملة من الكتب ففي الذّريعة على أن العقول مانعة من الإقدام على ما يجوز المقدم عليه كونه مفسدة فلم صاروا بأن يوجبوا العمل بخبر الواحد تحرزا بأولى ممن قال بأنه لا يجوز الإقدام على ما خبرته مع تجويز كونه مفسدة وفي العدة أن الَّذي ذكروه غير صحيح من وجوه أحدها إلى أن قال الثالث أن خبر الواحد لا يخلو إمّا أن يكون واردا بالحظر أو بالإباحة فإن ورد بالحظر لا نأمن أن يكون المصلحة في إباحته وأن كونه محظورا يكون مفسدة لنا وكذلك إن ورد بالإباحة جوزنا أن تكون المصلحة تقتضي حظره وأن تكون إباحته مفسدة لنا فنقدم على ما لا نأمن من أن يكون مفسدة لنا لأن الخبر ليس بموجب للعلم فنقطع به على أحد الأمرين وذلك لا يجوز في العقول وفي الغنية على أنّ العقل يمنع من الإقدام على ما لا يؤمن من كونه مفسدة فلم وجب العمل تحرزا من المفسدة انتهى وفيه نظر فإن اللازم ترجيح جانب المصلحة المستفادة من الخبر لكونها مظنونة بخلاف المفسدة فإنها موهومة ومن الظاهر أنّ مجرّد الاحتمال ولو كان موهوما لا يقدح وإلا لما وجب ترك سلوك الطَّريق الذي يظن بعدم السّلامة فيه لوجود سبع أو لصّ أو نحو ذلك فيه لأن احتمال المفسدة فيه موجود أيضا الرابع ما ذكره في المعارج في بحث الاستقراء فقال بعد الإشارة إلى الجواب الثاني على أن مع النّهي عن العمل بالظَّن يزول ظن الضّرر والنّهي موجود بقوله تعالى ولا تقف إلى آخره وقوله إنّ الظنّ لا يغني إلى آخره انتهى وفيه نظر فإنّ هذا النّهي ليس مقطوعا به حتّى يزول به ظن الضّرر بل غايته أنه مظنون بظن يستفاد من العمومات ومن الظاهر أنه في غاية الضّعف ولا يصلح لمعارضة الظن المستفاد من خبر العدل ونحوه لكونه أقوى منه بمراتب ومن الظاهر لزوم ترجيح أقوى الظَّنين هذا كلَّه على تقدير شمول العمومات لمحل